إسهامات

… وبعد العشرين من شعبان تبدأ العائلات في إعداد "تِكْضُورِینْ" للأولاد الذين سيبدؤون الصيام في تلك السنة، وهذه من جملة العادات التي تحبب إلى الأولاد الدخول إلى حقل الصائمين، مع جملة من العادات التي سيأتي الكلام عليها فيما بعد، وتدعو الأم لهذه العادة جميع قريباتها وقریبات زوجها فيجتمعن فيصنعن للصائم الجديد ستين حبة بمعدل حبتين لكل يوم من أيام الصوم، وتتكون هذه "تِّكْضُورِينْ" وواحدتها "تَاکْضُورْتْ" من اللُّقط والسمن والتمر الجيد والسميد بعد أن يقلى في مِقلا يابس، وبعد أن تخلط هذه المواد مثلما يخلط السُّويق بالسمن، تُکوَّر منه حبات بقدر مئة غرام تقريبا، فتجعل منها ستون على حدى للصائم، ثم تقسم البقية للنساء الحاضرات، بعد أن يأكلن نصيبا هناك في الدار ويشربن الشاي، وتأخذ كل واحدة منهن حبة أو حبتين تقسمها على أولادها وتخبرهم أنها تيمنا لهم حتى يبلغوا ويصوموا، وفي هذا ما فيه من التشويق للأولاد، أما من اجتمعت العائلات من أجله فهو يشعر بالقيمة والاعتزاز، مما يزيده اكتشافا لقيمته في هذا المحيط العائلي الضيق، وفي هذه الأيام العشر تتوالى أمثال هذه المناسبات وتتكرر، والذكور والإناث بالنسبة لهذه العادة على حد سواء، أما إذا دخل شهر رمضان فإن الهدايا تتبادل بين الأقارب في حق الأولاد الذين بدءوا الصيام، فيبعثون له فطوره وقت كل يوم من عند أحد أقاربه على الترتيب، ويخبرون الوالدين عادة بيومين لئلا تتكرر عليهم الأواني في يوم واحد، فتمر العشر الأيام الأولى أو أكثر من ذلك في بعض الأحيان تتوالى صدقات الفطور وتتبادل بين العائلات التي عندها صُوَّامٌ جُدد، ومن العائلات من يكتفي بإرسال هدية من الحلوى أو الزلابية أو نصيب من الكَاوْكَاوْ، وتستمر هذه الهدايا إلى آخر رمضان وهي على العموم هدايا متبادلة تُرد ولو بعد سنوات، والمهم فيها هي هذه الروح التي تسود بين العائلات وشعور الأولاد نحوها وما يشعرون به في عمرهم الباكر من القيمة التي يتمتعون بما لدى أقاربهم ومجتمعهم، والتعرف على أقاربهم وأرحامهم.

-بتصرف-

المصدر: كتاب: رسالة في بعض أعراف وتقاليد واد مزاب، الشيخ الحاج أيوب إبراهيم القرادي. ص125، 126.

شاركنا بتعليقك